شمس
05-07-2008, 03:28 PM
فضيلة الشيخ / على الخفيف
رحمه الله
مولدُه ونشأته:
ولد الشيخ علي محمَّد الخفيف في سنة 1309هـ-1891م في قرية الشُّهداء بالمنوفية، وهي من أخصب جهات مصر وأكثفها سكاناً، تقع جنوبي الدِّلتا بين دمياط ورشيد.
وقد نشأ الشيخ في أسرةٍ كريمةٍ محافظةٍ، وجَّهت ابنها منذ نعومة أظفاره لحفظ القرآن الكريم في كتَّاب القرية.
بعد أن أتمَّ الشيخُ علي الخفيف حفظَ كتاب الله وتعلم مبادئ العلوم في كتَّاب القرية، التحق بالأزهر سنة 1904م، وكان التَّدريس في الأزهر في ذلك الوقت في حَلَقاتٍ متفرِّقة، يجلس فيها الطُّلاب إلى شيخهم الذي يتخذ أحد أعمدة المسجد، دون التزام بدوامٍ أو منهجٍ معيَّن، وكانت المواد الدِّراسية تقتصر على اللُّغة العربية والعلوم الشَّرعية، في حين بقيت العلوم الأخرى من رياضيات وجغرافية وفلسفة وقانون وإدارة مهجورةً، كما كان الأساتذة يفتقرون إلى التَّخصص.
لهذا كلِّه لم تطل إقامةُ الشيخ علي في الأزهر، فانتقل في نهاية سنة 1906م إلى معهد الإسكندرية الدِّيني، إذ وجد فيه المعهد العلمي الذي يجمع في تدريسه بين القديم والحديث.
وقد أنشئ هذا المعهد بتوجيهات الشيخ محمد عبده للشيخ محمود شاكر، واختير له المدرسون والأساتذة الأكْفاء، ومن الطَّلاب الذين تبدو عليهم ملامح النُّبوغ والنَّباهة.
ولمَّا علم الشيخ علي الخفيف بإنشاء مدرسة القضاء الشَّرعي سنة 1907م، انتقل إليها وترك معهد الإسكندرية، لأنَّ هذه المدرسة فاقت في مناهجها ونظامها معهدَ الإسكندرية الدِّيني.
وقد بقي الشيخ في هذه المدرسة ثماني سنوات، حتى نال الشَّهادة العالية فيها التي تؤهِّله لتولِّي مناصب عديدة، منها القضاء، والمحاماة، والتَّدريس. وكان ذلك سنة 1915م.
شيوخه:
أخذ الشيخ محمد أبو زهرة العلمَ والخلق والفضيلة عن شيوخ أماجد، وعلماء أفذاذ، ومربين أُصلاء، وجَّهوه إلى الخلق الكريم، والعلم الشَّرعي الحكيم، والبحث في الفقه، والتَّدقيق في الآراء، والمناقشات العلمية للأدلَّة. ومن هؤلاء:
- الشيخ أحمد إبراهيم بك: أديب الفقهاء وفقيه الأدباء، تولَّى مناصب عدة، فكان مدرِّساً للفقه الإسلامي في مدرسة القضاء الشَّرعي، وأستاذاً مساعداً للشَّريعة الإسلامية في مدرسة الحقوق فيما بعد، ثم في كلِّية الحقوق في الجامعة المصرية، له عدَّة كتب وبحوث في الفقه.
- الأستاذ محمد عاطف باشا بركات: ناظر مدرسة القضاء الشَّرعي، والأب الأول لها، ورئيس نادي دار العلوم.
- الشيخ محمَّد الخضري: ويعد من الرُّواد في تاريخ التَّشريع الإسلامي، وقد تخرَّج في دار العلوم، وعمل في التَّدريس، وعُيِّن أستاذاً بمدرسة القضاء الشَّرعي، وقد ألَّف في أصول الفقه والتَّاريخ وغيرها.
- الشيخ محمَّد عبد المطلب واصل: وهو شاعرٌ موهوب، غرس في تلاميذه حبَّ الأدب والفضيلة، ودفعهم إلى التَّعصب للُّغة العربية، وكان أستاذاً للُّغة العربية بمدرسة القضاء الشَّرعي، نشر في الصُّحف المصرية نظماً ونثراً.
- الشيخ فرج السنهوري: نال الشَّهادة العالية من مدرسة القضاء الشَّرعي، وعُيِّن قاضياً، وتقلَّبت به المناصب، حتى اختير وزيراً للأوقاف، عاصره الشيخ علي الخفيف في أثناء دراسته في مدرسة القضاء الشَّرعي.
وظائفه:
تولى الشيخ علي الخفيف عدَّة وظائف مرموقة في التَّدريس الجامعي، والقضاء الشَّرعي وإدارة المساجد.
في التَّدريس الجامعي: رُشِّح الشيخ علي الخفيف من قبل كثير من المؤسسات الجامعية للقيام بمهمة التدريس الجامعي، ومنها مدرسة القضاء الشَّرعي، وجامعة القاهرة، ومعهد الدِّراسات العربية.
ففي السَّنة التي تخرَّج فيها الشيخ من مدرسة القضاء الشَّرعي، وقع اختيارُ مجلس إدارة المدرسة عليه ليكون عضوَ هيئة تدريس فيها، وفي هذه المدرسة النَّاهضة اختير الشيخ لتدريس الفقه الإسلامي، وهو المادة الأساسية فيها، والتقى الأستاذ الشابُّ الطلبةَ لقاء الودِّ والصَّداقة، والبذل والعطاء، والتَّوجيه والإرشاد.
وقد ظلَّ الشيخ علي الخفيف في هذه المدرسة ست سنوات انتقل بعدها إلى سلك القضاء في المحاكم الشرعية.
ولما أدخلت كليات الحقوق في مناهجها الدِّراسية مواد الشَّريعة الإسلامية، استعانت بأساتذة متخصِّصين للقيام بمهمَّة تدريس تلك المواد، فعيَّنت جامعةُ القاهرة سنة 1939م الشيخَ عليًّا الخفيف أستاذاً مساعداً للشَّريعة الإسلامية في كلِّية الحقوق، فوجد الشيخ نفسه في بيئةٍ علميةٍ جديدةٍ، دفعته إلى مواصلة الجدِّ والبحث، ولم يدع مجهوداً في بحثٍ فقهيٍّ إلا بذله، وغمر مجلَّة القانون و الاقتصاد التي يصدرها أساتذة كلِّية الحقوق بفيضٍ من بحوثه ومقالاته.
ونتيجة للجهد المتميَّز في البحث العلمي والتَّدريس الجامعي والنشاطات الأخرى رُقِّي الشيخ إلى رتبة أستاذ مساعد سنة 1944م، ولم يتوقَّف الشيخ عن البحث، فنشر في مجلَّة القانون والاقتصاد، وفي مجلَّة العلوم القانونية والاقتصادية، وجاءت أغلب بحوثه مقارنة بين الشَّريعة الإسلامية والقانون الوضعي.
وبقي الشيخ في هذه الوظيفة في كلِّية الحقوق إلى سن التَّقاعد سنة 1951م، وبعد ذلك ظلَّ يعمل محاضرًا غير متفرغ لطلبة الدِّراسات العليا.
وفي سنة 1953م وقع اختيار إدارة معهد الدِّراسات العربية العليا التَّابع لجامعة الدُّول العربية على الشيخ علي الخفيف ليكون مشرفاً على قسم الدِّراسات الإسلامية والقانونية، فقام بذلك خير قيام، وبقي في هذا المعهد حتى قبيل وفاته سنة 1978م، وتقديراً لجهوده قام المعهد بإعادة طبع كتاب (الملكية في الشَّريعة الإسلامية) سنة 1990م وهي سلسلة محاضراته التي ألقاها على طلاَّب المعهد بين عامي 1968 – 1969م.
في القضاء الشَّرعي: بحكم دراسة الشيخ علي الخفيف في مدرسة القضاء الشَّرعي التي تؤهِّله لتولِّي هذه الوظيفة، تقدَّم بطلبها سنة 1921م، وتمَّت الموافقة عليه، وعُيِّن قاضياً شرعياً في السَّنة نفسها، وظلَّ يعمل في القضاء مدة ثماني سنوات.
كما عينته وزارة الأوقاف المصرية محامياً شرعياً سنة 1929م وذلك للدفاع عن حقوق الوزارة وتمثيلها أمام المحاكم.
في إدارة شؤون المساجد: بعد عدَّة سنواتٍ من تعيينه محامياً شرعياً، عيَّنته وزارةُ الأوقاف مديراً لشؤون المساجد ومشرفاً عليها، وظلَّ متولياً هذه الوظيفة حتى سنة 1939م، حين انتقاله للتَّدريس في جامعة القاهرة.
مكانته العلمية:
يتمتَّع الشيخ علي الخفيف -رحمه الله- في الأوساط العلمية والرَّسمية بمكانةٍ مرموقة، فهو أصوليٌّ محقِّق ذو رأيٍ صائبٍ ونظرٍ دقيق، وهو فقيهٌ متمكِّن، يقرِّب أحكامه للأفهام، ويجتهد في القضايا المعاصرة، وهو لغويُّ مدقِّق وصاحب لسانٍ بليغ، وقد ترسَّخت عنده الملكة الفقهية، ودعا إلى تجديد الفقه الإسلامي قولاً وعملاً وتأثر به وبفكره التَّشريعي عددٌ لا يحصى من التَّلاميذ.
ملكته الفقهية: لقد حبا الله الشيخَ عليًّا الخفيف من الاستعدادات العقلية والرُّوحية والشَّخصية، وأكرمه بالعلم الشَّرعي من حفظ كتاب الله ومعرفة السُّنة النبوية، ومعرفة مواطن الإجماع والاختلاف، ومعرفة أصول الفقه واللُّغة العربية، والعلم بمقاصد الشَّريعة، وفهمٍ للواقع، بالإضافة إلى أساتذة أفاضل اشتهروا بالتَّمكن من الفقه، ما هيأ له به ملكةً فقهيةً مكَّنته من إعطاء الأحكام الشَّرعية للقضايا المطروحة.
الأوساط العلمية والرَّسمية التي كرَّمته وحرَصت على الاستفادة منه:
نظراً لمكانة الشيخ علي الخفيف العلمية حرَصت الأوساطُ العلمية والرَّسمية على تكريمه والاستفادة مما لديه من علمٍ وخبرةٍ في مجال الفقه واللُّغة والعلوم القانونية والإدارية والإنسانية.
1- فقد اختير عضواً مؤسساً في موسوعة الفقه الإسلامي بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
2- شارك سنة 1961م في (أسبوع الفقه الإسلامي ومهرجان الإمام ابن تيمية) الذي انعقد في دمشق، وكان عضواً فعالاً فيه.
3- وفي سنة 1962م اختير عضواً مؤسساً في مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الذي أنشئ في السَّنة نفسها، وقد كان للشيخ أثره البارز في المجمع، وشارك في أغلب مؤتمراته ببحوث.
4- وفي سنة 1967م اختير عضواً في المجلس الأعلى للأزهر، الذي يختص بالتَّخطيط ورسم السياسة العامَّة لكل ما يحقق الأغراض التي يقوم عليها الأزهر ويعمل في خدمة الفكرة الإسلامية الشَّاملة.
5- وفي سنة 1969م اختير عضواً في مجمع اللُّغة العربية في القاهرة، ومن نشاطه المجمعي أنه ظلَّ يتابع المجمع في مجلسه ومؤتمره ولجانه، وخاصة لجنة القانون والشَّريعة، وقد ساعد في إخراج المصطلحات التي أخرجتها اللَّجنة مساعدة فعالة.
6- وقد شارك في العديد من المؤتمرات العلمية مثل: ندوة التَّشريع الإسلامي التي عقدت في الجامعة الليبية سنة 1972م، والمؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة سنة 1967م.
7- وفي سنة 1967م نال جائزة الدولة التَّقديرية في العلوم الاجتماعية.
وقد عُرضت عليه مشيخة الأزهر عدَّة مرَّات فرفضها، كانت المرَّة الأولى قبل تعيين الشيخ عبد الرحمن تاج، والمرَّة الثَّانية قبل تعيين الشيخ حسن مأمون، وقال كلمته في سبب الرَّفض: "هل هناك مسلمون ليكون لهم شيخ؟".
تلاميذه:
لاقت دعوةُ الشيخ علي الخفيف -رحمه الله- لتجديد الفقه آذاناً صاغية، وتأثر به الطُّلاب ممَّن درسوا على يديه في كل من مدرسة القضاء الشَّرعي، وكلِّية الحقوق، ومعهد الدِّراسات العربية العالية، وقد أكرمه الله تعالى فمدَّ في عمره حتى رأى تلاميذه أساتذة وفقهاء، وشاهد أحفاده أساتذة وعلماء، وأدرك أبناءهم متخصِّصين في الفقه والقانون، وهم جميعاً يدينون له بالفضل والأستاذية، ومن هؤلاء:
1- الشيخ محمد أبو زهرة: ويعدُّ من عمالقة الفقه الإسلامي في العصر الحديث، وقد درس في مدرسة القضاء الشَّرعي، وبدأ اتجاهه إلى البحث العلمي في كلّية أصول الدّين بالأزهر، وعُيِّن أستاذاً محاضراً للدِّراسات العليا بالجامعة، وعضواً بالمجلس الأعلى للبحوث العلمية، له من المؤلَّفات أكثر من أربعين كتاباً.
2- الدكتور عبد الوهاب عزام: تخرَّج في مدرسة القضاء الشَّرعي سنة 1920م، ثم اتَّجه إلى الجامعة المصرية فحصل على الإجازة في الآداب والفلسفة، واختير مستشاراً للشؤون الدِّينية في السّفارة المصرية بلندن، وحصل على الدكتوراه في الآداب من لندن، وتقلَّد بعد عودته عدَّة مناصب: عميدًا لكلية الآداب في جامعة القاهرة، ووزيرًا مفوضًا لمصر في السعودية والباكستان، وسفيرًا لمصر في السعودية، وتوفي بمنزله في الرِّياض حيث كان يقيم بدعوة من الحكومة السعودية لإنشاء جامعة الملك سعود.
3- الدكتور ابراهيم مدكور: ويُعد أحدَ جال الفكر والفلسفة واللُّغة، تولَّى رئاسة مجمع اللُّغة العربية بالقاهرة مدة من الزمن.
درس في مدرسة القضاء الشَّرعي، وتَلْمَذَ للشيخ علي الخفيف، ثم اتَّجه إلى دار العلوم فحصل على دبلومها، وحصل على الإجازة في الآداب من جامعة باريس، وإجازة في الحقوق من جامعة السوربون، ثمَّ حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون، عُيِّن مدرِّساً في جامعة القاهرة وفي بعض كلِّيَّات الأزهر.
شخصيَّته وأخلاقه:
كان الشيخ علي الخفيف شخصية محبَّبة تنفذ إلى قلوب الآخرين بكلِّ تقديرٍ واحترامٍ وإجلال، وذلك لما يتمتَّع به من أخلاق حسنة وسمات حميدة، يبدو عليه سمت العلماء، وجلال الفقهاء، وهيبة القضاة، فهو طويل الصَّمت، جهير الصَّوت، عفُّ اللِّسان، كريم النَّفس، هادئ الطبع، لا يدخل في معارك مع مخالفيه، وهو جليل في كلِّ مكان عمل به أو جلس فيه.
وكان في تربيته لأولاده يسلك طريق التَّرغيب والتَّحبيب في الشَّيء الواجب فعله، ويبتعد أكثر الأوقات عن الأمر والنَّهي، والتَّرهيب والتَّعنيف، من أمثلته ما ذكره ابنه الدكتور حميد: "أذكر وأنا طفل في أول مراحل التَّعليم أنه كان يدفع إليَّ بالمصحف لأتابعه وأراجعه وأصوِّبه، وهو يقرأ القرآن، وكان ذلك يشيع في نفسي زهواً، مما جعل آصرة من الحبِّ تنعقد بيني وبين كتاب الله".
ولم يقف احترام النَّاس للشيخ عند الذين التقوه، وإنما تعدَّى ذلك إلى كل من سمع به أو قرأ عنه، ولم يكن هذا ليحصل له بمجرد تفوقه في العلم أو في الجسم، وإنما حصل له بالتَّفوق العلمي والخلقي معاً كما قال الدكتور حسين خلاف: "وهو من نعرف جميعاً؛ سموَّ خلق، ورجحانَ رأي، وغزارة علم".
ومن أخلاقه التي اشتهر بها وأهَّلته لذلك الاحترام والتَّقدير: التَّواضع وخفض الجناح، والشُّعور بالمسؤولية ومراقبة الله في كل عمل يكلَّف به، وفي كل علم يتعلَّمه، والصِّدق وكراهية الكذب.
وفاته
توفي الشيخ علي الخفيف في القاهرة يوم 11/7/1978 بعد أن صلى المغرب والعشاء جمعَ تقديمٍ بسبب المرض الذي نزل به, وأقام له مجمعُ اللغة العربية بالقاهرة حفلَ تأبين، تكلَّم فيه كل من الدكتور إبراهيم مدكور رئيس المجمع، والدكتور أحمد الحوفي أحد أعضاء المجمع وأحد محبِّي الشيخ، ونيابةً عن أسرة الفقيد الدكتور حميد الخفيف.
رحمه الله
مولدُه ونشأته:
ولد الشيخ علي محمَّد الخفيف في سنة 1309هـ-1891م في قرية الشُّهداء بالمنوفية، وهي من أخصب جهات مصر وأكثفها سكاناً، تقع جنوبي الدِّلتا بين دمياط ورشيد.
وقد نشأ الشيخ في أسرةٍ كريمةٍ محافظةٍ، وجَّهت ابنها منذ نعومة أظفاره لحفظ القرآن الكريم في كتَّاب القرية.
بعد أن أتمَّ الشيخُ علي الخفيف حفظَ كتاب الله وتعلم مبادئ العلوم في كتَّاب القرية، التحق بالأزهر سنة 1904م، وكان التَّدريس في الأزهر في ذلك الوقت في حَلَقاتٍ متفرِّقة، يجلس فيها الطُّلاب إلى شيخهم الذي يتخذ أحد أعمدة المسجد، دون التزام بدوامٍ أو منهجٍ معيَّن، وكانت المواد الدِّراسية تقتصر على اللُّغة العربية والعلوم الشَّرعية، في حين بقيت العلوم الأخرى من رياضيات وجغرافية وفلسفة وقانون وإدارة مهجورةً، كما كان الأساتذة يفتقرون إلى التَّخصص.
لهذا كلِّه لم تطل إقامةُ الشيخ علي في الأزهر، فانتقل في نهاية سنة 1906م إلى معهد الإسكندرية الدِّيني، إذ وجد فيه المعهد العلمي الذي يجمع في تدريسه بين القديم والحديث.
وقد أنشئ هذا المعهد بتوجيهات الشيخ محمد عبده للشيخ محمود شاكر، واختير له المدرسون والأساتذة الأكْفاء، ومن الطَّلاب الذين تبدو عليهم ملامح النُّبوغ والنَّباهة.
ولمَّا علم الشيخ علي الخفيف بإنشاء مدرسة القضاء الشَّرعي سنة 1907م، انتقل إليها وترك معهد الإسكندرية، لأنَّ هذه المدرسة فاقت في مناهجها ونظامها معهدَ الإسكندرية الدِّيني.
وقد بقي الشيخ في هذه المدرسة ثماني سنوات، حتى نال الشَّهادة العالية فيها التي تؤهِّله لتولِّي مناصب عديدة، منها القضاء، والمحاماة، والتَّدريس. وكان ذلك سنة 1915م.
شيوخه:
أخذ الشيخ محمد أبو زهرة العلمَ والخلق والفضيلة عن شيوخ أماجد، وعلماء أفذاذ، ومربين أُصلاء، وجَّهوه إلى الخلق الكريم، والعلم الشَّرعي الحكيم، والبحث في الفقه، والتَّدقيق في الآراء، والمناقشات العلمية للأدلَّة. ومن هؤلاء:
- الشيخ أحمد إبراهيم بك: أديب الفقهاء وفقيه الأدباء، تولَّى مناصب عدة، فكان مدرِّساً للفقه الإسلامي في مدرسة القضاء الشَّرعي، وأستاذاً مساعداً للشَّريعة الإسلامية في مدرسة الحقوق فيما بعد، ثم في كلِّية الحقوق في الجامعة المصرية، له عدَّة كتب وبحوث في الفقه.
- الأستاذ محمد عاطف باشا بركات: ناظر مدرسة القضاء الشَّرعي، والأب الأول لها، ورئيس نادي دار العلوم.
- الشيخ محمَّد الخضري: ويعد من الرُّواد في تاريخ التَّشريع الإسلامي، وقد تخرَّج في دار العلوم، وعمل في التَّدريس، وعُيِّن أستاذاً بمدرسة القضاء الشَّرعي، وقد ألَّف في أصول الفقه والتَّاريخ وغيرها.
- الشيخ محمَّد عبد المطلب واصل: وهو شاعرٌ موهوب، غرس في تلاميذه حبَّ الأدب والفضيلة، ودفعهم إلى التَّعصب للُّغة العربية، وكان أستاذاً للُّغة العربية بمدرسة القضاء الشَّرعي، نشر في الصُّحف المصرية نظماً ونثراً.
- الشيخ فرج السنهوري: نال الشَّهادة العالية من مدرسة القضاء الشَّرعي، وعُيِّن قاضياً، وتقلَّبت به المناصب، حتى اختير وزيراً للأوقاف، عاصره الشيخ علي الخفيف في أثناء دراسته في مدرسة القضاء الشَّرعي.
وظائفه:
تولى الشيخ علي الخفيف عدَّة وظائف مرموقة في التَّدريس الجامعي، والقضاء الشَّرعي وإدارة المساجد.
في التَّدريس الجامعي: رُشِّح الشيخ علي الخفيف من قبل كثير من المؤسسات الجامعية للقيام بمهمة التدريس الجامعي، ومنها مدرسة القضاء الشَّرعي، وجامعة القاهرة، ومعهد الدِّراسات العربية.
ففي السَّنة التي تخرَّج فيها الشيخ من مدرسة القضاء الشَّرعي، وقع اختيارُ مجلس إدارة المدرسة عليه ليكون عضوَ هيئة تدريس فيها، وفي هذه المدرسة النَّاهضة اختير الشيخ لتدريس الفقه الإسلامي، وهو المادة الأساسية فيها، والتقى الأستاذ الشابُّ الطلبةَ لقاء الودِّ والصَّداقة، والبذل والعطاء، والتَّوجيه والإرشاد.
وقد ظلَّ الشيخ علي الخفيف في هذه المدرسة ست سنوات انتقل بعدها إلى سلك القضاء في المحاكم الشرعية.
ولما أدخلت كليات الحقوق في مناهجها الدِّراسية مواد الشَّريعة الإسلامية، استعانت بأساتذة متخصِّصين للقيام بمهمَّة تدريس تلك المواد، فعيَّنت جامعةُ القاهرة سنة 1939م الشيخَ عليًّا الخفيف أستاذاً مساعداً للشَّريعة الإسلامية في كلِّية الحقوق، فوجد الشيخ نفسه في بيئةٍ علميةٍ جديدةٍ، دفعته إلى مواصلة الجدِّ والبحث، ولم يدع مجهوداً في بحثٍ فقهيٍّ إلا بذله، وغمر مجلَّة القانون و الاقتصاد التي يصدرها أساتذة كلِّية الحقوق بفيضٍ من بحوثه ومقالاته.
ونتيجة للجهد المتميَّز في البحث العلمي والتَّدريس الجامعي والنشاطات الأخرى رُقِّي الشيخ إلى رتبة أستاذ مساعد سنة 1944م، ولم يتوقَّف الشيخ عن البحث، فنشر في مجلَّة القانون والاقتصاد، وفي مجلَّة العلوم القانونية والاقتصادية، وجاءت أغلب بحوثه مقارنة بين الشَّريعة الإسلامية والقانون الوضعي.
وبقي الشيخ في هذه الوظيفة في كلِّية الحقوق إلى سن التَّقاعد سنة 1951م، وبعد ذلك ظلَّ يعمل محاضرًا غير متفرغ لطلبة الدِّراسات العليا.
وفي سنة 1953م وقع اختيار إدارة معهد الدِّراسات العربية العليا التَّابع لجامعة الدُّول العربية على الشيخ علي الخفيف ليكون مشرفاً على قسم الدِّراسات الإسلامية والقانونية، فقام بذلك خير قيام، وبقي في هذا المعهد حتى قبيل وفاته سنة 1978م، وتقديراً لجهوده قام المعهد بإعادة طبع كتاب (الملكية في الشَّريعة الإسلامية) سنة 1990م وهي سلسلة محاضراته التي ألقاها على طلاَّب المعهد بين عامي 1968 – 1969م.
في القضاء الشَّرعي: بحكم دراسة الشيخ علي الخفيف في مدرسة القضاء الشَّرعي التي تؤهِّله لتولِّي هذه الوظيفة، تقدَّم بطلبها سنة 1921م، وتمَّت الموافقة عليه، وعُيِّن قاضياً شرعياً في السَّنة نفسها، وظلَّ يعمل في القضاء مدة ثماني سنوات.
كما عينته وزارة الأوقاف المصرية محامياً شرعياً سنة 1929م وذلك للدفاع عن حقوق الوزارة وتمثيلها أمام المحاكم.
في إدارة شؤون المساجد: بعد عدَّة سنواتٍ من تعيينه محامياً شرعياً، عيَّنته وزارةُ الأوقاف مديراً لشؤون المساجد ومشرفاً عليها، وظلَّ متولياً هذه الوظيفة حتى سنة 1939م، حين انتقاله للتَّدريس في جامعة القاهرة.
مكانته العلمية:
يتمتَّع الشيخ علي الخفيف -رحمه الله- في الأوساط العلمية والرَّسمية بمكانةٍ مرموقة، فهو أصوليٌّ محقِّق ذو رأيٍ صائبٍ ونظرٍ دقيق، وهو فقيهٌ متمكِّن، يقرِّب أحكامه للأفهام، ويجتهد في القضايا المعاصرة، وهو لغويُّ مدقِّق وصاحب لسانٍ بليغ، وقد ترسَّخت عنده الملكة الفقهية، ودعا إلى تجديد الفقه الإسلامي قولاً وعملاً وتأثر به وبفكره التَّشريعي عددٌ لا يحصى من التَّلاميذ.
ملكته الفقهية: لقد حبا الله الشيخَ عليًّا الخفيف من الاستعدادات العقلية والرُّوحية والشَّخصية، وأكرمه بالعلم الشَّرعي من حفظ كتاب الله ومعرفة السُّنة النبوية، ومعرفة مواطن الإجماع والاختلاف، ومعرفة أصول الفقه واللُّغة العربية، والعلم بمقاصد الشَّريعة، وفهمٍ للواقع، بالإضافة إلى أساتذة أفاضل اشتهروا بالتَّمكن من الفقه، ما هيأ له به ملكةً فقهيةً مكَّنته من إعطاء الأحكام الشَّرعية للقضايا المطروحة.
الأوساط العلمية والرَّسمية التي كرَّمته وحرَصت على الاستفادة منه:
نظراً لمكانة الشيخ علي الخفيف العلمية حرَصت الأوساطُ العلمية والرَّسمية على تكريمه والاستفادة مما لديه من علمٍ وخبرةٍ في مجال الفقه واللُّغة والعلوم القانونية والإدارية والإنسانية.
1- فقد اختير عضواً مؤسساً في موسوعة الفقه الإسلامي بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
2- شارك سنة 1961م في (أسبوع الفقه الإسلامي ومهرجان الإمام ابن تيمية) الذي انعقد في دمشق، وكان عضواً فعالاً فيه.
3- وفي سنة 1962م اختير عضواً مؤسساً في مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الذي أنشئ في السَّنة نفسها، وقد كان للشيخ أثره البارز في المجمع، وشارك في أغلب مؤتمراته ببحوث.
4- وفي سنة 1967م اختير عضواً في المجلس الأعلى للأزهر، الذي يختص بالتَّخطيط ورسم السياسة العامَّة لكل ما يحقق الأغراض التي يقوم عليها الأزهر ويعمل في خدمة الفكرة الإسلامية الشَّاملة.
5- وفي سنة 1969م اختير عضواً في مجمع اللُّغة العربية في القاهرة، ومن نشاطه المجمعي أنه ظلَّ يتابع المجمع في مجلسه ومؤتمره ولجانه، وخاصة لجنة القانون والشَّريعة، وقد ساعد في إخراج المصطلحات التي أخرجتها اللَّجنة مساعدة فعالة.
6- وقد شارك في العديد من المؤتمرات العلمية مثل: ندوة التَّشريع الإسلامي التي عقدت في الجامعة الليبية سنة 1972م، والمؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة سنة 1967م.
7- وفي سنة 1967م نال جائزة الدولة التَّقديرية في العلوم الاجتماعية.
وقد عُرضت عليه مشيخة الأزهر عدَّة مرَّات فرفضها، كانت المرَّة الأولى قبل تعيين الشيخ عبد الرحمن تاج، والمرَّة الثَّانية قبل تعيين الشيخ حسن مأمون، وقال كلمته في سبب الرَّفض: "هل هناك مسلمون ليكون لهم شيخ؟".
تلاميذه:
لاقت دعوةُ الشيخ علي الخفيف -رحمه الله- لتجديد الفقه آذاناً صاغية، وتأثر به الطُّلاب ممَّن درسوا على يديه في كل من مدرسة القضاء الشَّرعي، وكلِّية الحقوق، ومعهد الدِّراسات العربية العالية، وقد أكرمه الله تعالى فمدَّ في عمره حتى رأى تلاميذه أساتذة وفقهاء، وشاهد أحفاده أساتذة وعلماء، وأدرك أبناءهم متخصِّصين في الفقه والقانون، وهم جميعاً يدينون له بالفضل والأستاذية، ومن هؤلاء:
1- الشيخ محمد أبو زهرة: ويعدُّ من عمالقة الفقه الإسلامي في العصر الحديث، وقد درس في مدرسة القضاء الشَّرعي، وبدأ اتجاهه إلى البحث العلمي في كلّية أصول الدّين بالأزهر، وعُيِّن أستاذاً محاضراً للدِّراسات العليا بالجامعة، وعضواً بالمجلس الأعلى للبحوث العلمية، له من المؤلَّفات أكثر من أربعين كتاباً.
2- الدكتور عبد الوهاب عزام: تخرَّج في مدرسة القضاء الشَّرعي سنة 1920م، ثم اتَّجه إلى الجامعة المصرية فحصل على الإجازة في الآداب والفلسفة، واختير مستشاراً للشؤون الدِّينية في السّفارة المصرية بلندن، وحصل على الدكتوراه في الآداب من لندن، وتقلَّد بعد عودته عدَّة مناصب: عميدًا لكلية الآداب في جامعة القاهرة، ووزيرًا مفوضًا لمصر في السعودية والباكستان، وسفيرًا لمصر في السعودية، وتوفي بمنزله في الرِّياض حيث كان يقيم بدعوة من الحكومة السعودية لإنشاء جامعة الملك سعود.
3- الدكتور ابراهيم مدكور: ويُعد أحدَ جال الفكر والفلسفة واللُّغة، تولَّى رئاسة مجمع اللُّغة العربية بالقاهرة مدة من الزمن.
درس في مدرسة القضاء الشَّرعي، وتَلْمَذَ للشيخ علي الخفيف، ثم اتَّجه إلى دار العلوم فحصل على دبلومها، وحصل على الإجازة في الآداب من جامعة باريس، وإجازة في الحقوق من جامعة السوربون، ثمَّ حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون، عُيِّن مدرِّساً في جامعة القاهرة وفي بعض كلِّيَّات الأزهر.
شخصيَّته وأخلاقه:
كان الشيخ علي الخفيف شخصية محبَّبة تنفذ إلى قلوب الآخرين بكلِّ تقديرٍ واحترامٍ وإجلال، وذلك لما يتمتَّع به من أخلاق حسنة وسمات حميدة، يبدو عليه سمت العلماء، وجلال الفقهاء، وهيبة القضاة، فهو طويل الصَّمت، جهير الصَّوت، عفُّ اللِّسان، كريم النَّفس، هادئ الطبع، لا يدخل في معارك مع مخالفيه، وهو جليل في كلِّ مكان عمل به أو جلس فيه.
وكان في تربيته لأولاده يسلك طريق التَّرغيب والتَّحبيب في الشَّيء الواجب فعله، ويبتعد أكثر الأوقات عن الأمر والنَّهي، والتَّرهيب والتَّعنيف، من أمثلته ما ذكره ابنه الدكتور حميد: "أذكر وأنا طفل في أول مراحل التَّعليم أنه كان يدفع إليَّ بالمصحف لأتابعه وأراجعه وأصوِّبه، وهو يقرأ القرآن، وكان ذلك يشيع في نفسي زهواً، مما جعل آصرة من الحبِّ تنعقد بيني وبين كتاب الله".
ولم يقف احترام النَّاس للشيخ عند الذين التقوه، وإنما تعدَّى ذلك إلى كل من سمع به أو قرأ عنه، ولم يكن هذا ليحصل له بمجرد تفوقه في العلم أو في الجسم، وإنما حصل له بالتَّفوق العلمي والخلقي معاً كما قال الدكتور حسين خلاف: "وهو من نعرف جميعاً؛ سموَّ خلق، ورجحانَ رأي، وغزارة علم".
ومن أخلاقه التي اشتهر بها وأهَّلته لذلك الاحترام والتَّقدير: التَّواضع وخفض الجناح، والشُّعور بالمسؤولية ومراقبة الله في كل عمل يكلَّف به، وفي كل علم يتعلَّمه، والصِّدق وكراهية الكذب.
وفاته
توفي الشيخ علي الخفيف في القاهرة يوم 11/7/1978 بعد أن صلى المغرب والعشاء جمعَ تقديمٍ بسبب المرض الذي نزل به, وأقام له مجمعُ اللغة العربية بالقاهرة حفلَ تأبين، تكلَّم فيه كل من الدكتور إبراهيم مدكور رئيس المجمع، والدكتور أحمد الحوفي أحد أعضاء المجمع وأحد محبِّي الشيخ، ونيابةً عن أسرة الفقيد الدكتور حميد الخفيف.